مجموعة مؤلفين
247
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ليس تخصيص « الأبصار » ينفى الإدراك عنها . فنفى الإدراك عن الأبصار التي هي إمام العقل ، لأن العقل تلميذ بين يدي الحس عند المحققين . فلما انتفى الإدراك عن البصر ، الذي هو الوصف الأخص ( له ) ، كان العقل أبعد إدراكا وأبعد . لكن للحق - تعالى ! - مناظر يتجلى فيها ، فتلك المناظر هي الغيب الإضافى الذي يصح أن يقال فيه : غيبه شهوده ، ( وشهوده غيبه ) . « وتلك المناظر لا يصح تجلّيها من حيث هي ، ولا وجود لها إلّا بتجلى الحق بها إليك . فالمناظر هي مدرك الناظر ، وهي توجهات خاصة من الحق . . . أظهرت أحكامها في كل موطن بحسب ذلك الموطن . ولهذا تفاوت إدراك أهل التجلي بقدر قوة استعدادهم وتحققهم في التمكين . ولو كانت الذات المنزهة ، من حيث هي ، هي المشهودة لما صح أن يختلف أثرها ، ولا كان يقع التفاضل في شهودها . فلما وجدنا اختلاف الآثار علمنا أن المدارك إنما تعلقت بالمناظر المناسبة للناظر . - فتحقق ! « واعلم أن رؤية السلطان والتلذذ بشهوده ، لم تكن تلك اللذة من كونه إنسانا ، إنما كانت من كونه سلطانا . وعند الناظر نسبة تلذذت بهذا الوجه الزائد على إنسانية السلطان ، وهو حكم النسبة التي طلبت وطلبت ، وبها حصل التلذذ . فهذا حكم الحق : فإن النسبة والمرتبة تطلبنا ونطلبها ، لا الذات المنزهة . - فافهم : فذات السلطان اقتضت السلطة ، والمرتبة هي المشهودة ، وهي التي حجبت المحل أن يقوم به الإدراك . وهاهنا سر كبير وحقيقة عظيمة ، أقرب نسبتها إلى الكون هو حقيقة المرآة . وفيها أسرار عزيزة . - والسلام ! « وقول الشيخ : كنت في هذا المقام قريب عهد بسقيط الرفرف بن ساقط العرش - أشار إلى ظهوره بالحلية التي اقتضاها وصف الجنيد في ذلك المشهد : حيث أطلق ما من شأنه أن يتقيد » . - واللّه يقول الحق ! »